جريمة القطار السيبيري العظيم


Тот, кто бегал в Читу

الثلاثون من سبتمبر ، 2019

استيقظت مرغمًا لليوم الثاني على التوالي على قرع ضيف آخر غير مرحب به  عند باب غرفتي ، المحصلة سايا هذه المرة ، في جولة فجرية لإيقاظ جميع الركاب في مقطورتنا. و لما كنت من نوع المحققين المخلصين للعدالة و القوانين ، بدأت صامتًا – و إن على مضض – بترتيب الحجرة و تجهيز مستنداتي الرسمية. الساعة الثالثة فجرًا الآن ، و قد وصل قطارنا لتوه إلى محطة مدينة مانزولي الصينية الحدودية ، و سيركب أفراد حرس الحدود و الجمارك الصينيون القطار بعد بضع دقائق للتدقيق في جوازات و مستندات جميع الركاب. دار بوروف و زوجته حول المقطورة بهلع الأمهات قبل قدوم الضيوف إلى المنزل ، محاولين جعله بأفضل شكل ممكن لحفظ سمعتهم عند سكان مانزولي. بدأت ناتاشا بجلي المقطورة و كنسها أما بوروف فامتشق معطرًا روسيًا برائحة نفاذة كرائحة الورنيش غرق به المقطورة و كل ما دب عليها. 

بعد عطستي التاسعة بسبب معطر بوروف و خلال العطسة العاشرة دخلت غرفتنا ضابطة صينية لتطلب مني و من رن جوازاتنا. خلال ثوان لا أكثر نظرت لجواز رن ، و بالكاد فتحته حتى ، ثم هزت رأسها و أخفت جوازه في حقيبتها. أظنها حفظت  جهود التدقيق في جواز رن ، و جوازت بقية ركاب المقطورة ، لتصبها كلها علي و على جوازي المسكين. بعد نظرات متكررة وزعتها بيني و بين جوازي غادرت الحجرة لتعود مع ضابطة تفوقها رتبة كررت نفس المشهد ثم غادرت و عادة بضابطة ثالثة ، و تكرر الموقف ذاته أربعة مرات تعود كل ضابطة بأخرى يحمل كتفاها عددًا أكبرًا من النجوم أو الأشرطة. حرس الحدود هنا معتاد على مقابلة الركاب من الجنسيتين الروسية و الصينية ، و لربما زارهم أوروبي واحد في السنة ، أما زيارة شخص مثلي فأمر غريب خارج عن المألوف يستوجب التحقيق و التمحيص ، و قد محصوني عندها تمحيصًا فتمحصت و صرت حميصًا. لم تكتف الضابطات بمراجعة جميع صفحات جوازي الحالي و الماضي  و مساءلتي عنهما ، بل طلبن النظر في هاتفي و كل ما فيه من صور ، متوقفات بين كل صورة و أخرى للسؤال عن ماهيتها و من هم بها حتى عادت بهم الصور ثلاث سنين إلى الوراء و عادت الدموع تتزاحم في مقلتي حنينًا للذكريات التي نبشوها. لحسن حظي انتهى التحقيق قبل أن أجهش بدموع الحنين و إلا لاعتبروها اعترافًا بجرم لم أقترفه بعد. 

جوازي و جواز رن تحت وطأة درجتين متعاكستين من التمحيص

لا أورد هذا الوصف في حديثي في معرض الانتقاد  بتاتًا ، فرغم طول فترة التحقيق معهن إلا أنهن كن في غاية الاحترام  و الأريحية ، بل و تخلل حديثهن شيء من الطرفة و النصيحة ، لذا لم أمانع الأمر إطلاقًا. بعد نصف ساعة من التحقيق غادرت الضابطات بجوازات جميع الركاب لختمها في مكتبهن القريب ، و سمح لنا بمغادرة القطار إلى المنصة شريطة عدم الابتعاد . بطبيعة الحال ، استفرغت قاطرتنا جميع ركابها دفعة واحدة و كلهم يبغي الخلاص من بوروف و معطره و لو عني هذا مجابهة برد الشمال على المنصة. مانزولي في حدود الصين الشمالية و هي الأبرد منذ بداية الرحلة ، و جوها الآن مما تشحذ له الفروة و يعبط لها الحنيني ، بينما كانت بكين أقرب إلى الحرارة حينما غادرناها ، و لم تزدد الأجواء إلا برودة كلما توغل القطار شمالًا أو اقترب من سيبيريا. 

أمضينا في محطة مانزولي ثلاث ساعات بالتمام بلا أحداث تذكر ، دارت فيها ناتاشا موزعة نماذج روسيا الحدودية ، و عبأتها عني و عن رن و بعض الركاب الأخرين عندما لم ترق لها خطوطنا باللغة الروسية. و ما إن أعيدت لنا جوازاتنا المختومة بختم المغادرة من الصين انطلق القطار مغادرًا مانزولي نحو روسيا عبر منفذ مدينة زابايكالسك الحدودي البري. منذ لحظة استلامه لجوازه التصق رن بالنافذة ترقبًا لمرورنا بأحد المعالم التي رسمها في مفكرته ، بوابتان إحداهما على الأراضي الصينية و الأخرى الروسية تعلنان الخروج من دولة و دخول الأخرى. تسمى البوابتان بالبوابة إلى الصين و البوابة إلى روسيا ، و أعزي هاتين التسميتين إلى ضعف محصول الإبداع في التسمية في تلك المنطقة. أكد لي رن بحماسة وطنية جياشة أن البوابة الصينية أعظم من مثيلتها الروسية  ، و قبل أن أجد ترجمة ملائمة لمثل “كل فتاة بأبيها معجبة” اكتشفت دقة كلامه. البوابة الصينية كانت قوسًا حجريًا عملاقًا يسبقه نصب تذكاري لامع ، يتناثر حوله السياح من الجانبين بكاميراتهم الباهضة العملاقة. أما البوابة الروسية فبدت و كأنها بنيت بما تبقى من المواد بعد بناية البوابة الصينية ، قوامها الخشب بحجم يكفي لتوصيل معلومة قطع الحدود و كفى. 

كلفتني هذه الصورة شزرات ثلاث جنود

ما إن لامست عجلات القطار الأمامية الأراضي الروسية ركبه الجنود الروس بكامل عدتهم و عتادهم دون أن يتوقف حتى ، و أظنهم  ضبطوا سرعة تنقلهم بين العربات على سرعة القطار مخالفين له في الاتجاه  مستعملين القطار كـ”سير” عملاق يبقي أقدامهم فوق الخط الحدودي تمامًا. دعني أوضح هنا أنني أعني أفراد الجيش فعلًا لا حرس الحدود ، فكل فرد من هؤلاء الجنود كان مدججًا بما يكفي من السلاح لاحتلال دولة صغيرة ، و رافقتهم كلاب بدت مثلهم في بحث نهم عن المتاعب. فاقت دقة تفتيشهم للقطار نظرائهم الصينيين  لأسباب واضحة ، فالاهتمام عادة أعلى بما يهرب إلى داخل البلاد مما يهرب إلى خارجها. و عندما وصل الجنود إلى غرفتنا لتفتيشها رافقنا أحدهم إلى الممر و وقف سادًا الطريق نحو الباب الأقرب لنا ، بينما بدأ آخر  بتفتيش الغرفة شبرًا شبرًا. شدت  أعصابي حتى كادت تنقطع عندما كسر الجندي الختم الشمعي في سقف الغرفة و فتحه لتفتيشه ، فالتقليد الدائم و الصارم في مثل هذه اللحظات أن تسقط جثة أحد الركاب من فتحات التهوية لتتسبب بكل وقاحة في اتهامي بهذه الجريمة. و ذا الأخير تقليد لطالما كرهته في كل ما تابعت من القضايا ، و دعوت الله مرارًا ألا أقابله في مسيرتي المهنية كمحقق ، فمهمة المحققين إثبات جرم غيرهم لا إثبات برائتهم هم. بحمدالله استجيبت دعوتي و كانت فتحات التهوية خالية من من الجثث هذه المرة. 

إلا أن خلو المكان من الجثث لم يكف لبيان برائتي ، فمجددًا ختم جواز رن في محله بينما عانيت أنا تمحيصًا بدأ بأن افرغت محتويات حقيبتي (بترتيب يشكرون عليه) ثم اقتادني أحد الجند إلى حيث “سيحدثك المفتش خمس دقائق لا أكثر”. رافقت الجندي إلى غرفة جانبية في محطة زابايكالسك حيث توقف القطار بقيت فيها في انتظار مفتشهم ذاك. 

خيب المفتش كل توقعاتي حين قدومه ، فبينما تصورته بدينًا بشارب كث و معطف طويل ، كان في الواقع أقرب إلى حوذي شيرلوك هولمز من شيرلوك نفسه. و أقنعني أسلوبه الغر المهادن و ابتسامته الضجرة بعدم التعريف بنفسي كمحقق مثله حينما  سألني عن وظيفتي ، فلم أتقبله كمحقق فعلًا. لم يتحدث المفتش الإنجليزية ، لكنه استعمل المترجم الإلكتروني في هاتفه لطرح أسئلته و تقبل أجوبتي. بعد أسئلة روتينية عن اسمي و عمري و عملي كسر السد لينهمر علي سيل من الأسئلة قد تصح في سياق طلب يد ابنته لا هذا السياق ، و لما سألني عما إن كنت أقترح عليه شراء هاتف آيفون أم أندرويد لخطيبته أيقنت بأن مخزونه من الأسئلة نضب و غدا يضيع الوقت لا أكثر. متقهقرًا أمام أجوبتي الساحقة التقط المفتش صورتي و أخذ نسخة من بصمات أصابعي و راحتي ثم ختم على جوازي و سمح لي بالرحيل. لاحظت فيما بعد أن تصميم ختم دخول روسيا من منفذها البري هذا على القطار يتضمن صورة مصغرة لقطار كرتوني صغير عوضني بلطافته عن كل ما جابهته من جنود و حرس ذلك اليوم. 

ختم دخول روسيا عن طريق القطار في جوازي

خرجت إلى المحطة لأتمطى و أعب هواء الحرية بجشع فاقتنصتني ثلاث قذائف بشرية بعناق باك رددوا فيه بين مخاطهم أنهم كانوا متيقنين ببرائتي و بتجلي الحقيقة في النهاية ، ثم دعوني جميعًا إلى غداء في مدينة زابايكالسك للاحتفال  بهذه المناسبة. كانت القذائف هي رن و يونتشين و كنتشاو طبعًا. محطتنا هذه هي التوقف الأطول في مسيرة القطار كاملة ، ست  ساعات و نصف يقضيها القطار بعد إجبار جميع ركابه على النزول للمرة الأولى و الأخيرة. لا تفصل بين المدينة نفسها و المحطة إلا جسر صغير بلا حارس أو بوابة ، و يعتمد المحصلون على معرفتهم بالركاب لمنع أي غريب من ركوبه حين الانطلاق  بعد هذه المحطة. شرح لي رن حينها بأن قطارنا سيتخلى عن مقطورة الطعام الصينية و عن مافيه من مياه الشرب في هذه المحطة و يبقى بدون بديل حتى نصل إلى محطة تشيتا تلك الليلة ، و لذا وجب أن نبتاع حصتنا من المياه و الطعام المعلب داخل  المدينة. وافقت على اقتراح الثلاثي المرح مؤملًا سرًا أن نصادف جريمة قتل في المدينة أفك شفرتها في آخر  لحظة لأعود راكضًا إلى المحطة و أتعلق بالقطار حين رحيله. 

عصابتنا الصغيرة في زابايكالسك

اكتشفنا في زابايكالسك أن رن – بطبيعة الحال – حفظ خريطة الجزء المقارب من المدينة للمحطة و رسمها في مفكرته ، و اقتادنا بسرعة الخبير الضجر إلى أقرب مركز تجاري لنبتاع ما نحتاجه ثم إلى المطعم الوحيد المفتوح قبل الظهر في منتصف الأسبوع. كان ذلك المطعم واجهة لنقطة تجمع أفراد منظمة رن الجاسوسية طبعًا ، و بالتالي فالطعام فيه كان بجودة ما يقدمه هؤلاء الجواسيس لأعدائهم من السموم. هذا لم يمنعني طبعًا من القضاء على فطيرة الكاتشابوري التي ابتعت ثم حساء سوليانكا اللذي ابتاعت كينتشاو حينما لم تتحمل حرارته. عرفت يونتشن جنسيتي للمرة الأولى على ذلك الغداء ، و تطوع لإلقاء النكتة المعروفة: “سعودي؟ لابد أنك غني إذن هعهعبهخع!!” سألتها بصدق لم سأكون في الدرجة الثانية و هي في الأولى إن كنت أنا الغني هنا فأجابت فورًا بأنني و لابد أبحث عن التجربة ، لذا عدت إلى فطيرتي بصمت و قد بهتني منطقها الفذ. 

مدينة زابايكالسك عملية جدية ، شديدة الخواء لا تعرض على سكانها و زوارها غير المستلزمات الأولية ، ولا تقدم في شوارعها من الزينة غير ما بائت به الطبيعة من أشجار تتحمل البرد السيبيري. لم نقابل فيها ، خارج المطعم ، أي روح حية سوا أكوام من الكلاب الضالة تتجول في جماعات متفارقة الأحجام مختلطة الأنواع مستجدية كل من قابلته لاقتسام طعامه معها ، و هو استجداءً أظنه  في غالب أوقاته ناجحًا نظرًا لارتهاء الشحوم على كثير منها و “تلظلظها ” كما نحكي بالعامية. لاحظت فيما بعد أن أغلب الحيوانات الشريدة في سيبيريا أقرب إلى السمنة ، و ذاك غالبًا لمقاومة البرودة. 

حين التقاطي لهذه الصورة كان رن يقابل أصدقائه من الجواسيس في خلف المطعم.

عدنا بعد الغداء إلى القطار دون أن نواجه أي جريمة في المدينة و دون أن  يعرفنا رن على رفاقه في شبكة الجاسوسية خلف المطعم ، و لما كنا أيقظنا عنوة قبيل الفجر بعدة ساعات غط الجميع في نوم عميق ما إن عادوا إلى القطار فخيم عليه صمت لا يقطعه إلا شخير بوروف. أثبتت عبوة الماء العملاقة التي اشتريتها في زابايكالسك عدم فائدتها بالتالي ، فأنا لم استيقظ من غيبوبتي إلا في محطة تشيتا و قد عادت مياه الشرب الساخنة إلى مقطورتنا. إلا أنني لم أعرف ذاك فور استيقاظي بل أمضيت بعض دقائق في حالة من الضياع التام اللذيذ محاولًا تذكر من أنا و أين أنا الآن. أنا محقق ، و هذا قطار ، و لكن أين القطار و لم أنا فيه الآن؟ نزلت من القطار بهذه الأسئلة إلى المنصة طمعًا في أن تنعش البرودة ذاكرتي أو أن أرى ما يساعدني على الاستنباط. 

“صباح الخير ، اسمي… اسمي… اسمي جيمس! ما هو اسمك؟”

أنعش صوت جيمس ذاكرتي و طرد كل خلجات النوم عن سنحتي من فورة كما تنعش كل الصدمات فاقدي الذاكرة في الأفلام. الوقت لم يكن صباحًا طبعًا ولا خيرًا كذلك بوجوده ، و رغم أن يده احتوت هذه المرة سيجارة بدلًا عن كاميراته إلا أنني لم أكن مستعدًا للحديث معه بأي شكل لذا غمغمت برد علكت حروفه عن قصد. ظن رن حينها أنني و جيمس عالقان على جانبي الحاجز اللغوي لذا قفز إلى المحادثة لينقذ الموقف و يخبر جيمس أنني عمر ، من السعودية. التفت إلى رن ناويًا تقريعه و لكن صمام ثغر جيمس انفجر قبل أن أتمكن من تذكير رن بما تعلمه في مدرسة الجاسوسية عن إفشاء معلومات المهمة و رفاقه إلى قوات أجنبية. 

“أووووه ساودييي! اللاهوو أكباااار! غني فلوس؟ لا خنزير لا لا! لا كحول! خنزير أوينك أوينك! اللاهوو أكباااار!” 

على هذا المنوال ، لو صار جيمس الضحية الأولى في القضية الواقعة لا محالة على هذا القطار ، فلن أحقق حتى في هوية قاتله المجرم البطل المخلص. و لو كان هو القتيل على أي حال لامتن الجميع لقاتله و رفضوا على أثر هذا معاونتي في كشف الفاعل ، فكما عرفت فيما بعد من يونتشين لم تكن معاناتي مع جيمس الوحيدة من نوعها هنا. منذ انطلاق القطار من بكين اعتاد جيمس اقتحام غرف الركاب و محادثاتهم دون دعوة لبعرف عن نفسه و عن كاميراته للمرة الألف. هوية القتيل و دافع الجريمة واضحان الآن ، و لم يبق لي سوى  ترقب من من الركاب سيسبق جيرانه إلى شج رأس جيمس. 

ظننت هذه الصورة عبقرية حين التقطتها و أضعها الآن هنا بلا حياء

عدت إلى داخل القطار بعد هذه المحادثة و قد أوشك القطار على الانتقال  إلى منصة أخرى في نفس المحطة ، طامعًا بإخلاء الساحة لإعطاء الفرصة للقاتل لكي يقوم بعمله و يخلصنا جميعًا من جيمس. عاد رن إلى الغرفة حيث كنت ما إن غير القطار منصته ، و تبعته عجوز صارخة باكية كادت باقتحامها للغرفة تطرحه أرضًا. عرفت العجوز من النظرة الأولى ، فهي جدة العائلة المجاورة لنا ، و هي الغرفة الوحيدة المأهولة بالكامل بالوالدين و طفلهما و جدته. عائلة هادئة قليلة الكلام إلا أن أفرادها  لم ينسوا مطلقًا تحية الصباح أو المساء ، و هم الآن مفقودون كما شرحت لنا الجدة بكثير من الدموع و المخاط. فهمت من رن بعد أن فك شفرة عويلها أن الوالدين قد غادرا القطار قبل أن يغادر إلى منصته الحالية و لم يعودا إليه حتى الآن ، و هما في الغالب الآن يجوبان محطة تشيتا العملاقة على غير هدى حيث لا يتحدث أحد لغتهما بحثًا عن قطار في كومة من نفس جنسه. 

يتبع القطار السيبيري جدولًا صارمًا غير مهادن ، و كم من قصة ذكرت عن ركاب نبذهم القطار في محطة نائية بعد أن تأخروا في العودة إليه دقيقة أو اثنتين. فصلنا وقتها عن موعد الانطلاق  الرسمي كما أعلنه جدول في مقطورتنا ثلاث دقائق لا أكثر ، و أكد محصلا مقطورتنا عبر مترجم إلكتروني أن القطار لن ينتظر أي شخص كائنًا من كان. وقفت على باب المقطورة حينها مقلبًا خياراتنا و محاولًا إيجاد الطريقة المثلى لتبليغ ابن العائلة بيتمه المحدق ، فلست مستعدً للتبني أو توظيف مساعد محقق بعد. و أنا على حالتي تلك إذ برن يسحبني إلى المنصة صارخًا أن لدينا عشر دقائق لإيجاد الوالدين ، و عندما اعترضت مشيرًا إلى جدول القطار الرسمي المعلق ورائنا أجابني رن بأن الدليل يقول أن القطار دائمًا ما يتأخر بمقدار ثابت كلما توقف في محطة تشيتا. 

رن مع جدول القطار الملحق بالدليل

“لحظة! ألم تكتب الدليل بنفسك؟!” و لكن رن غادر راكضًا إلى يمين القطار دون أن يجيبني. بلا خيار آخر  تذكرت موقفًا مماثلًا لسمير  غانم في مسرحية “المتزوجون” المصرية و عدوت في اتجاه  معاكس لرن بحثًا عن الوالدين. استمريت في الركض في ذات الاتجاه  برهة قبل أن أتوقف و قد تذكرت أني نسيت شكل الوالدين ، و لو وجدتهما لما عرفتهما. إلا أن الإجابة جائت على صوت عويل مطابق لعويل الجدة طباقًا جينيًا قادم من المنصة المقابلة لمنصتنا هذه حيث وقف أحد الوالدين محاولًا تهدئة الأخر و التفاهم مع جندي روسي في آن واحد. قطعت الجسر بين المنصتين مسرعًا لألتقط  الوالدين و نعود راكضين إلى القطار قبل رحيله ببضع دقائق. 

عاد رن إلى القطار قبل رحيله كذلك و تهاوى كلانا على سريرينا و قد ركض كلانا أكثر مما خططنا لكامل الرحلة. مددت يدًا مرتعشة نحو مفتاح أنوار الغرفة مستعدًا للنوم فقاطعني زميلي.

 “نقول في الصين ‘اليوم السهل الوحيد في حياتك كان الأمس’”

“و نقول في السعودية  ‘فال الله ولا فالك يا شيخ’. تصبح على خير يا رن.”

الفصل التالي


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s